الجاحظ
128
رسائل الجاحظ
من ترك الفقهاء تمييز الآثار وترك المتكلمين القول في تصحيح الأخبار ، وبالاخبار يعرف الناس النبي من المتنبي والصادق من الكاذب ، وبها يعرفون الشريعة من السنة والفريضة من النافلة والحظر من الإباحة والاجتماع من الفرقة والشذوذ من الاستفاضة والرد من المعارضة والنار من الجنة وعامة المفسدة والمصلحة . فإذا نزلت الاخبار منازلها وقسمتها ذكرت حجج الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ودلائله وشرائعه وسننه ، ثم جنست الآثار على أقدارها ورتبتها في مراتبها وقربت ذلك واختصرته وأوضحت عنه وبينته ، حتى يستوى في معرفتها من قل سماعه وساء حفظه ، ومن كثر سماعه وجاد حفظه ، بالوجوه الجليلة والأدلة الاضطرارية . ولم أرد في هذا الكتاب جمع حجج الرسول عليه السلام وتفصيلها والقول فيها لنقص مسها أو لوهن كان في أصلها من ناقليها والمخبرين عنها ، أو لأن طعن الملحدين نهكها وفرق جماعتها ونقض قواها ! ولكن لأمور سأذكرها وأحتج لها . وكيف تقصر الحجة عن بلوغ الغاية وتنقص عن التمام واللّه تعالى المتوكل بها ومسخر أصناف البرية لها ومهيج النفوس على إبلاغها ! وقد أخبر بذلك عن نفسه في محكم كتابه عن ذكره حيث قال : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ وأدنى منازل الإظهار إظهار الحجة على من ضاده وخالف عليه . وقال عز ذكره يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ وأخبر أنه أمر الأحمر والأسود ، ولم يكن ليأمر الأقصى كما يأمر الأدنى ويأمر الغائب على الحاضر ، قال اللّه تعالى لنبيه عليه السلام : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً . [ 2 - معنى الحجة ] فأقول : إن كل منطيق محجوج ، والحجة حجتان : عيان ظاهر ، وخبر قاهر . فإذا تكلمنا في العيان وما يفرع منه فلا بد من التعارف في أصله وفرعه منه ، ولا بد من التصادق في أصله والتعارف في فرعه ، فالعقل هو المستدل ، والعيان والخبر هما علة الاستدلال وأصله ، ومحال كون الفرع مع عدم الأصل ،